مـنتدى حبلـيزاوي
منتدى حبليزاوي يرحب بضيوفه الكرام

مـنتدى حبلـيزاوي

منتدى علمي ثقافي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةبحـثالتسجيلدخولس .و .جمكتبة الصورالمجموعات
منتدى حبليزاوي يتمنى لجميع زواره دوام الصحة والعافية وقضاء أوقات سعيدة ومفيدة بالمنتدى
سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
لا إلَهَ إلاَّ الله وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يحيي ويميت وهُوَ على كلِّ شيءٍ قَدير، سُبْحانَ الله والحَمْدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حَولَ ولا قُوةَ إلا بالله"

شاطر | 
 

 حفظ اللسان ،،،

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Mohamed Habliza
Admin
avatar

عدد المساهمات : 313
تاريخ التسجيل : 13/11/2010
العمر : 49
الموقع : بلدية البطائح - إمارة الشارقة - دولة الامارات العربية المتحدة

مُساهمةموضوع: حفظ اللسان ،،،   السبت 20 نوفمبر 2010, 2:45 am

حفظ اللسان


الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين و العاقبة للمتقين و لا عدوان إلا على الظالمين و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، اللهم صلِّ على محمد و على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد،
فإن أصدق الحديث كتاب الله و أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار.
ثم أما بعد،
فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: "ما من عبد مؤمن إلا و له ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة- أو- ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه، إن المؤمن خُلق مفتَّنا توابا نسيا إذا ذُكِّر ذَكَر".
فقول النبي صلى الله عليه و سلم في شأن المؤمن إذا ذُكِّر ذَكَر إشارة إلى ما بينه الله تبارك و تعالى في قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ثم بين في الآية الأخرى من الذين ينتفعون بالذكرى فقال عز وجل: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فمن مثل هذا الدرس قال عليه الصلاة والسلام: "إن المؤمن خُلق مفتَّنا توابا نسيا إذا ذُكِّر ذَكَر"، فقد يقع المؤمن في الأخطاء لكنه إذا ذُكر بآيات الله عز وجل فإنه يتذكر وينتفع بهذه الذكرى كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾.
وهناك فرق بين التعليم وبين التذكير؛ فالإنسان يتعلم ما كان جاهلا من قبل، أما الذكرى فقد يكون للإنسان معلومات لكنه يحتاج إلى التذكير بها وإيقاظ معانيها في قلبه، كلنا يعلم أنه يموت لكن ليس كلنا يعتبر ويتذكر حقيقة الموت وينفعل بها إلا إذا ذُكر بذلك، ومن نعمة الله سبحانه وتعالى علينا أن هذا الإسلام وهذا الدين ليس دينا يتعامل مع النظريات (المثاليات) أو الفعلية أو الفروض، وإنما هو دين يتعامل مع الواقع البشري الحي، فبالتالي إذا كلفنا الإسلام بأمر فهو لابد داخلٌ في طوقنا و داخلٌ في استطاعتنا ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
و من رحمة الله عز و جل أنه أرسل إلينا رسولا من أنفسنا، رسولا من البشر، فلو كان أرسل إلينا ملكا - بفرض وقوع ذلك - فربما إذا نزل هذا الملك لهؤلاء البشر إلى أن يغيروا أخلاقهم ويتمثلوا الحق في سلوكهم، ربما قالوا نحن لسنا مثلك أنت ملك أما نحن فبشر ولابد من أن نقع في الذنوب والتقصير.
أما وقد جاءنا رسول من أنفسنا صلى الله عليه و سلم بشر مثلنا تمثَّل فيه وتحقق فيه النموذج الأعلى والأكمل للبشرية على الإطلاق وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس هذا فحسب بل جعله الله عز وجل قدوة لنا وأسوة نقتدي بها فقال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ثم انفعل صحابته الأبرار رضي الله تعالى عنهم بهذه الأسوة الحسنة وتأثروا بها وبذلك استحقوا أن يكونوا عن جدارة خير أمة أخرجت للناس، خير أمة، وأفضل أمة، وأكمل الأمم على الإطلاق هم الصحابة الأطهار ثم من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ونحن المسلمين دائما ننظر إلى السلف الصالح وإلى الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم بإحسان على أنهم قمة، قمة شامخة عالية وكل ما نصبو إليه هو أن نحاول أن نرتقي بقدر المستطاع ونرتفع إلى مستواهم، فالإقتداء بالسلف وبالصحابة ليس رجوعا للوراء وليس رجعية، لكنه تفاني ورقي وصعود إلى أعلى ومحاولة اللحاق بهم في أخلاقهم وفي عباداتهم وفي جهادهم رضي الله تعالى عنهم.
وإذا كان من الوظائف الأساسية للرسول الله صلى الله عليه وسلم تزكية النفوس﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾
فإنه عليه الصلاة والسلام بين أيضا أن من مقاصد بعثته الأساسية ما شرحه وفصله بقوله: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"، هذا من المقاصد الرئيسية لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبيَّن صلى الله عليه وسلم أن الإنسان مهما كان فيه من العيوب فبفضل الله سبحانه وتعالى وبمجاهدة النفس وبالاستدلاء بنور الوحي فإنه يستطيع أن يتغير إلى أكمل صورة وباب الفضائل مفتوح على مصراعيه، كل من عنده همه وعزيمة على أن يلجه فإنه يستطيع أن يلجه لن يكبله أحد، وفي ذلك يقول الشاعر :
إذا أعجبتك خصال امرئ فكنـه يكن منـك ما يعجبك
فليس لدى المجد والمكرمات إذا جئتـها حـاجب يحجبك
يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحرى الخير يعطَه ومن يتوَقّ الشر يوقَه" يعني معنى ذلك أن مهما كان في الإنسان صعوبة في أخلاقه أو في طباعه وهو غير راض عنها فهو يستطيع بالاستعانة بالله سبحانه و تعالى و بالإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يغيرها إلى أحسن الأخلاق، و بالتالي ينال أعلى الدرجات فإن العبد ينال بحسن الخلق ما لا يناله بالعبادة و الصيام و القيام و غير ذلك.
الحقيقة، نحن الآن نكاد نطرق باب هذا الموسم العظيم المبارك وهو شهر رمضان المعظم والذي فيه كثير من الفضائل والخيرات التي لا يُحرم منها إلا محروم، وشهر رمضان إذا نظرنا إليه من أي زاوية سنجده فعلا شهر البركات والخيرات العامة والخاصة على جميع الناس، حتى نجد أن الإنسان مهما كان شريرا بمجرد أن يدخل شهر رمضان نجد أن رغبة الشر تقل عند الناس، فالحقيقة فرصة عظيمة. كما نقول للمدخنين هذه فرصتكم للإقلاع عن التدخين وكما نقول للشرهين في الطعام هذه فرصتكم لمكافحة شهوة الطعام مثلا وغير ذلك من هذه الأشياء، فكذلك أيضا مجتمع الملتزمين، مازلنا جميعا نشكو من آفات خطيرة جدا، نحتاج إلى استغلال هذا الشهر من أجل مقاومتها ومجاهدتها، ما أكثر ما نسمع من أسئلة في مثل هذه الأيام أو حينما يهل شهر رمضان؛ هل البخور يؤثر في الصيام؟ هل القيء يؤثر؟ هل كذا يؤثر في الصيام؟ نهتم دائما بما يؤثر في الصيام من هذه الأمور.. وقلَّ أن نجد من يصرف همه إلى هذا العضو الخطير في بدنه و هو اللسان الذي بلا شك يؤثر في الصيام تأثيرا شديدا جدا بنقصان الأجر، حتى وصل إن بعض العلماء يفتي – وهي فتوى شاذة – لكن وصل الأمر أن من أغتاب الناس فقد أفطر وبطل صيامه بذلك، نحن لا نقول بهذا بالضبط لكن نقول بلا شك هو يؤثر في الصيام، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". إذاً هذا الحديث يبين لنا أنه ينبغي أن يرافق ويصاحب الصوم تزكية للنفس وتطهير للسان من آفاته.
الله سبحانه وتعالى أمرنا فقال عز وجل: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..﴾، أمر بإحسان النطق وإحسان الكلام وأن ينطق الإنسان بالخير.
وقال أيضا تبارك وتعالى: ﴿..وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنا.. ﴾... للناس... فانتظمت هذه الآية بعمومها اليهودي والنصراني والمسلم، و عن عطاء قال: "﴿..وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنا.. ﴾ للناس كلِهم المشرك و غيره".. حتى المشرك تحسِّن خلقك معه وتحسِّن ألفاظك معه.
وعن أبي سلام قال: قلت لسعيد بن جبير رحمه الله: "المجوسي يريني من نفسه و يسلِّم علي – هو الذي يبدأني بالخير – أفأرد عليه؟ فقال سعيد بن الجبير سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن نحو من ذلك فقال لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه"؛ لو قال لي فرعون الذي هو شر البشر في عصر موسى عليه السلام خيرا لرددت عليه خيرا مثله فإن هذا هو أدب القرآن ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا..﴾.
ففرعون الذي كان شر الخلق في زمن موسى عليه السلام مع ذلك أرسل الله سبحانه وتعالى إليه نبيين كريمين وأمرهما فقال عز وجل ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
إذا كان هذا مع فرعون فإذا بعض الأخوة يظن أنه إذا أحسن خلقه حتى مع الكافر يظن بذلك أنه مفرط في دينه وأنه بذلك تنازل عن الإيمان وعن مقتضيات الإيمان... لا... تعاديه بقلبك ولا تواريه بسبب كفره بل تعاديه وتبغضه، لكن تعطيه حقه إذا كان قريبا، إذا كان جارا أو إذا تعاملت معه، فحسن الخلق مع كل الناس مندوب إليه ومأمور به وليس في ذلك ما يقدح في الدين.
وكان من خلق النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يذم أحدا ولا يعيبه صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: "وخالق الناس بخلق حسن"، يعني بمناسبة هذه الكلمة التي قالها أبو سلام لسعيد بن الجبير: "المجوسي يريني من نفسه و يسلم علي أفأرد عليه ؟ قال سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن نحو من ذلك فقال لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه"، بالذات إذا كان الإحسان فيه مقابلة إحسان.. أدى إليك مثلا خدمة معينة لا مانع من أن تشكره، لا تقول له جزاك الله خيرا حتى لا يكون دعاءً وهو لا يستحق ذلك، لكن انقل له أي عبارة فيها نوع من المجاملة فهذا الخلق الذي يليق بالمسلم.
وأتذكر حادثة بسبب سوء فهم بعض الأخوة لهذا الأمر ويظن أن حسن الخلق مع الكافر تنازل في الدين أو ضعف في الإيمان.. لا.. لابد أن تكون هذه المعالم واضحة عندنا، حكا لي بعض الأخوة في بريطانيا الأفاضل قصة حصلت من شابين ضلا الطريق في منطقة معينة وكانا يبحثان عن عنوان وهناك الناس فيهم صفة جيدة في موضوع دلالة الناس الأجانب عن الذي يبحثون عنه كالذي يضل الطريق أو يحتاج لمعرفة وصف شيء معين... المهم سألا رجلا كبيرا في السن عن العنوان أو المكان الذي يبحثان عنه، فالرجل لم يكتفي بأن شرح لهم خريطة المكان أو الموضع الذي يطلبانه وإنما سار معهما مسافة كبيرة واصطحبهما حتى أوصلهما إلى المكان الذي يريدانه، فوقف الرجل.. فإذا بالأخوين ينصرفان عمدا، فالرجل استنكر هذا الموقف جدا فأراد أن يعاتبهما عتابا لطيفا فقال لهما عندنا نحن معشر الإنجليز أن من أسدى إلينا معروفا فإننا نقول له نشكرك.. يريد أن يقول فماذا عندكم ؟.. فماذا قال له الأخ!؟ قال له أنا أعرف هذا جيدا وأنا متعمد أن لا أقول لك شكرا لأنك كافر.. إلى آخر هذا الأسلوب، فبلا شك هذا تنفير، وأنا لا أريد في الحقيقة أن أخرج عن الموضوع لأنه حتى الآن نحن في المقدمة ولكن بلا شك سوء الخلق وبالذات ما يكون له تأثير ضار في الصد عن سبيل الله عز وجل لا تظن أنك إذا فعلت ذلك أنك في عافية من الحساب أمام الله سبحانه وتعالى.. الله عز وجل في أواخر سورة النحل لما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾، هذه الآية في غاية الروعة في الحث على حسن الخلق حتى مع الكفار؛ إياكم أن تستغلوا الأيمان و الحلف باسم الله سبحانه وتعالى وسيلة لخداع الناس.. الناس حينما يرونكم تحلفون و تعظمون اسم الله عز وجل فيثقون أنكم صادقين فيما تريدون و أنكم ملتزمون بما تحلفون عليه، فإياكم أن تستغلوا الأيمان والحلف سبيلا للإفساد بينكم ونقض العهود والمواثيق، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾، هذا أول ضرر أنه تزل قدم بعد ثبوتها، أنكم بعد ما كنتم ثابتين على الصراط المستقيم تميلون عنه وتنحرفون عنه، فهذا انحراف يخصكم أنتم في أنفسكم.
هذا أول شيء، الأمر الثاني ليس هذا فحسب، ليس فقط تفقدون اسم الإيمان والتقوى والاستقامة إلى الاعوجاج والزلل، لكن أيضا تذوقون السوء ولكم وعيد وعقاب عند الله عز وجل لماذا؟ لأنكم بسوء خلقكم ونقضكم العهود واتخاذ الأيمان للإفساد وخداع الناس.. بسوء الخلق الكفار إذا رأوكم تفعلون ذلك قالوا لو كان في دينهم خير لأدبهم ولغيرهم عن هذا الشر الذي فعلوه والخديعة والخيانة، فهذا يترتب عليه تشويه الدين في نظر هؤلاء الناس الذين يفترض أنكم تدعونهم بسلوككم وأخلاقكم أكثر مما تدعونهم بأقوالكم.. فيترتب على ذلك أن ينفر هؤلاء الناس عن الإسلام وبالتالي تبوءون أنتم بوزر صدهم عن سبيل الله؛ و لذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ بماذا ؟ بسوء الخلق.
أتذكَّر أيضا واقعة ثمامة بن أثال رضي الله تعالى عنه و كان شديد العداوة للإسلام وللنبي صلى الله عليه و سلم فلما أُسر، ماذا فعل النبي عليه الصلاة و السلام؟ خير معلم على وجه الأرض كلها عليه الصلاة و السلام.. أتى بثمامة و أمر بأن يوثق يربط و يقيد في سارية من سواري المسجد وبقي على ذلك ثلاثة أيام، حكمة عظيمة من خير معلم وخير مربي في تاريخ البشر كلهم أجمعين عليه الصلاة و السلام.
ما الحكمة أن ثمامة بن أثال في بؤرة المجتمع الإسلامي الذي هو مجلس الوزراء و مجلس الشعب ومجلس الشورى وغرفة العمليات ومكان العبادة ومكان التدريب على الجهاد – كل شيء كان يتم في المسجد – تعامل المسلمين مع بعضهم البعض، خشوعهم لربهم عز وجل فكان كل هذا في المسجد، الحكمة أنه أراد أن يلقنه درسا كيف أخلاق المسلمين، كيف تعامل الصحابة مع بعضهم البعض، كيف يعبدون الله، كيف يحيي بعضهم بعضا.. وهكذا، و أنه إذا رأى هذا فسيكون لهم سبيلا إلى إقناعه بالإسلام، وبالفعل هذا الذي تم؛ لمّا سأله أول يوم: "كيف تجدك يا ثمامة ؟"قال: "إن تقتل تقتل ذا دم وإن تعفو تعفو عن شاكر"، يعني يشكر لك هذا الجميل و"إن تقتل تقتل ذا دم" هذا الذي بدأه، في اليوم الثاني لما سأله قال: "إن تعفو تعفو عن شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم"..بدأت اللهجة تخف، في اليوم الثالث عفا عنه النبي عليه الصلاة و السلام وأطلقه فذهب ثمامة في مكان معين و اغتسل ثم أتى وشهد شهادة الحق رضي الله تعالى عنه. الشاهد من هذا أنه لولا أنه عاش وانغمس في مجتمع الصحابة ورأى أخلاقهم وسلوكياتهم لما كان انجذب إلى الإسلام.
الحقيقة المقدمة طالت، ما كنت أريد ذلك لكن الشيء يذكر بالشيء.
يقول عليه الصلاة و السلام: "وخالق الناس بخلق حسن". الناس... كل الناس..و ليس فقط المسلمين، فحسن خلق المسلم كما سنرى إن شاء الله تعالى يتعدى حتى يشمل حتى البهائم والحيوانات.
فنحن نركز الحقيقة على آفات اللسان وبالذات آفات اللسان المتعلقة بالغيبة التي هي آفة شائعة ومتوغلة في المجتمعات ولا نكاد نستثني حتى مجتمعات الملتزمين والملتزمات أو بتعبير آخر الملتزمات والملتزمين.
فلا شك أن أعظم حقوق المسلم على الإطلاق هو صيانة عرضه ورعاية حرمته، فإن تحريم النيل من عرض المسلم أصل شرعي متين عُلم بالضرورة من دين الإسلام، وحفظ العرض واحد من الضروريات الخمس التي جاءت من أجلها الشرائع.
خطب رسول الله صلى الله عليه و سلم في أعظم محفل على الإطلاق تم في الإسلام على مسمع يزيد عن مائة ألف نفس من الصحابة الكرام رضي الله عنهم في حجة الوداع؛ فقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت" والشاهد هنا في قوله: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم".
فالأعراض كما أشرنا مرارا:
الأعراض: جمع عرض، والعرض هو كل موضع يقبل المدح أو الذم في الإنسان.
أي شيء من صفات الإنسان يمكن أن يمدح أو يذم؛ سواء كان في نفسه، أو في سلفه، آباءه مثلا وأجداده، أو من يلزمه أمره، أو هيئة مشيته، طريقة كلامه، ملابسه.. أي شيء يخص المسلم مما إذا ذكر فيه بسوء يسوءه ذلك فهذا هو عرضه؛ كل ما يقبل المدح أو الذم في الإنسان.
و قيل: "هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحتى ابنه ويحامي عنه أن ينتقص ويسلب".
قال صلى الله عليه وسلم: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه".
وقال صلى الله عليه و سلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"..طبعا يده تشمل أشياء كثيرة تشمل الضرب، تشمل الكتابة، تشمل كل شيء يمكن أن يترتب عليه أذية لأخيه المسلم.
قال سفيان بن حصين: "كنت جالسا عند إياس بن معاوية فمر رجل فنلت منه – اغتاب هذا الرجل بعدما مر – فقال لي أسكت، ثم قال لي يا سفيان هل غزوت الروم؟! قلت لا، قال غزوت الترك؟! قلت لا، قال سلم منك الروم وسلم منك الترك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟ قال فما عدت إلى ذلك بعد".
وقال صلى الله عليه و سلم: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة"، ومثلُ هذه الضمانة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تعلق إلا على أمر عظيم جسيم.
ونظر عبد الله بن عمر يوما إلى الكعبة فقال: "ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك"..المؤمن عند الله سبحانه وتعالى حرمته أعظم من حرمة الكعبة المشرفة.
وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾، يعني هل منكم من يطيق ذلك من الناحية الطبعية، صفة الإنسان وطبع الإنسان، هل يقبل أن أخاه المسلم يكون ميتاً وهو يأتي بالسكين ويقطع من لحم أخيه ويأكله، أنتم لا تحبون ذلك، وأنتم تكرهونه طبعا، فكما كرهتموه طبعا فاكرهوه شرعا.
وبين صلى الله عليه وآله وسلم حد الغيبة فقال: "الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه".
وقال صلى الله عليه و سلم: "الغيبة ذكرك أخاك بما يكره"... بعض الناس الشيطان يلبس عليه لأن الشيطان واقف بالمرصاد كل باب من أبواب الخير يريد الإنسان أن يدخله يغلقه عليه، وكل باب من أبواب الشر يفتحه له ويوسعه له بالتبريرات والتسويغات والمعاذير، فيتكلم مثلا على واحد فتقول له اتق الله هذه غيبة، يقول لك أنا مستعد أقول هذا الكلام أمامه... حتى لو كنت مستعد أن تقوله أمامه هذه هي الغيبة التي حرمها الله... الفارق أنك إذا قلته أمامه وقعت في خطأ آخر و هو أذية أخيك المسلم ومواجهته بما يكره، وإذا كان أمام الناس فتكون قد فضحته وأسأت إليه أكثر ولم تستر عليه، و إذا كان في غيبته فهذا حد الغيبة، ولم يستثني الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقل مثلا الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه إلا إذا كنت تقوى على أن تواجهه بذلك.. ما قال ذلك، فحتى لو كنت تزعم أن هذه من الشجاعة وأنك تستطيع أن تواجهه بذلك فهي غيبة وليس لها اسم آخر غير الغيبة وهي الذنب المحرم الذي أجمع العلماء على تحريمه. وحد الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه.
والفرق بين الغيبة والبهتان كما بين النبي صلى الله عليه و سلم لما قال له الصحابي: "أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".. هذا هو البهتان.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا فقالوا: "لا يأكل حتى يُطعم، و لا يرحل حتى يُرحل له"... يعني يجب أن يخدمه الناس، لا يأكل حتى يُعد له الطعام، وإذا أراد أن يركب الدابة لابد أن الراحلة يكون عليها أحد يقوم بخدمته فيها... فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتبتموه".
من المفروض أن الإنسان يكون صاحياً في أي مجلس لا يبالي في الحق لومة لائم، وإذا كان سيقع من الذي تنصحه إلى أنها غيبة نوع من الوحشة في أول الجلسة، فهو سيعرف أنك لست ممن يحب المشاركة في أكل لحوم الناس، على الأقل سيكفيك شره إن لم يتب من هذا الذنب، لأنه لو كل مجلس فيه غيبة وجد من يزجره وينبهه إلى خطورة هذه المعصية سيراجع نفسه بلا شك أو سيكف عن أعراض الناس، لكن الذي يحصل أنك توافق أهواء الجالسين ويظلوا يسوغوها لمصلحة الدعوة وهذه الأبواب الشيطانية..وبالتالي يحصل تمكن لهذه الآفة في هذه المجتمعات.
فقالوا: "لا يأكل حتى يُطعم، و لا يرحل حتى يُرحل له"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتبتموه"، فقالوا: "يا رسول الله حدثنا بما فيه" فقال: "حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه".. حسبك من الشر أنك تغتابه بأن تذكر ما فيه، أتريد أيضا تبهيته وأن تفتري عليه الكذب أيضا، يكفيك حظا من الإثم أن تذكر أخاك بما فيه وأن تغتابه.
و عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "قلت للنبي صلى الله عليه وسلم حسبك من صفية كذا وكذا".. قال بعض الرواة تعني أنها قصيرة..مع أن عائشة يعني ضرتها ويغتفر التحاسد والتنافس بين الضرائر ما يغتفر، لكن مع ذلك ما سكت رعاية لحرمة المسلمة فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته"، لو هذه الكلمة تجسدت و خلطت بماء البحر لعكرت ماء البحر وأفسدته.. كلمة واحدة وهي هذه الغيبة.
قال الإمام القرطبي - رحمه الله تعالى –: "والإجماع على أنها من الكبائر، وأنه يجب التوبة منها إلى الله تعالى"، والحقيقة حكاية الإجماع في هذا فيه نظر، لكن يوجد تعبير آخر أكثر دقة ما ذكره الفقيه الشافعي بن حجر الهيثمي – رحمه الله تعالى – وعلماء الشافعية نصوا على: "أن الغيبة إذا كانت في أهل العلم وحملة القرآن الكريم فهي كبيرة وإلا فصغيرة".
و قال الفقيه بن حجر الهيثمي – رحمه الله –: "كل منهما – أي الغيبة والنميمة – حرام بالإجماع، وإنما الخلاف في الغيبة هل هي كبيرة أم صغيرة، ونُقل الإجماع على أنها كبيرة، وقال آخرون محله إن كانت في طلبة العلم وحملة القرآن وإلا كانت صغيرة".
وعن أبي بردة الأسلمي والبراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته – الجزاء من جنس العمل – ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته".
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه".
وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فهبت ريح منتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما هذه الريح ؟، هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين".
وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: بينما أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو آخذ بيدي ورجل على يساره فإذا نحن بقبرين أمامنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، وبلى – يعني وبلى إنه كبير، هما يزعمان أنه ليس بكبير لكن في الحقيقة هو كبير – فأيكم يأتيني بجريدة" فاستبقنا فسبقته فأتيته بجريدة فكسرها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة و على ذا القبر قطعة قال: "إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول".
وعن قتادة رضي الله عنه قال: "ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث؛ ثلث من الغيبة، وثلث من البول، وثلث من النميمة".
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم – يعني يعذبون أنفسهم بأيديهم، لهم اظافر من نحاس وبها يخمشون الوجوه والصدور– فقلت من هؤلاء يا جبريل، قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم".
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام
رجل – قام يعني أنصرف – فوقع فيه رجل من بعده – بعد ما غادر المسجد واحد من الجالسين في المسجد بدأ يغتاب هذا الرجل - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تحلل" فقال: ومم أتحلل؟ ما أكلت لحما – التحلل أو التخليل للأسنان بالخلة وهذه الأشياء حتى يخرج الألياف التي تعلق بين الثنايا – قال: "إنك أكلت لحم أخيك".
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه مر على بغل ميت فقال لبعض أصحابه: "لأن يأكل الرجل من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم".
فالغيبة ديانة في الفساق؛ الفساق الذين لا يبالون بحرمات الله سبحانه وتعالى، لا يبالون أن يأكلوا لحوم الناس.. وطبعا نتيجة أن المنكر شاع في المجتمع جدا.. شاع وذاع وقل من ينكره.. نحن لا نحس ولا نسخط ولا تحس قلوبنا ناحيته بشيء إلا من رحم الله، فنحن محتاجين تجديد العهد بهذه النصوص ونعطي الأمور حجمها ﴿..وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ فالأمر خطير جدا... وهذا الكلام ليس مجاز هذا الكلام حقيقي، ﴿..أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ..﴾ فالغيبة ديانة في الفساق الذين لا يتقون الله سبحانه وتعالى كما قال بعض السلف.
وعن إبراهيم بن أدهم رحمه الله أنه أضاف ناسا فلما قعدوا على الطعام جعلوا يتناولون رجلا، فقال إبراهيم: "إن الذين كانوا قبلنا كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم، وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز"، يعني بدأتم بلحم هذا المسلم الذي اغتبتموه قبل الخبز.
وعن موسى السيلاني أنه سأل سفيان الثوري رحمه الله تعالى: "يا أبا عبد الله إن الله يبغض البيت اللحميين؟ – يعني يقول له هل ربنا سبحانه وتعالى يبغض البيت اللحميين، وهو يقصد الناس الذين يأكلون لحما كثيرا ويطبخون اللحم كثيرا، فسماهم اللحميين – قال: فقال ليس هم الذين يأكلون اللحم ولكنهم الذين يأكلون لحوم الناس"، هؤلاء هم اللحميون الذين هم مغرمون بأكل لحوم الناس، لكن ستأكل لحم البقرة والغنم هذا حلال، ما حرمه الله سبحانه وتعالى عليك ما دمت تشكر نعمته، لكن المهم ألا تأكل لحوم الناس، هؤلاء اللحميون الذين يبغضهم الله سبحانه وتعالى.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن أحق ما طهر الرجل لسانه"..تخيل أن واحدا منا إذا أصابت النجاسة ثيابه ماذا يفعل؟ فيتخيل أن هذه النجاسة تكون في لسانه، عندما يغتاب الناس تكون في لسانه، فأي الأشياء أولى أن تطهر ثيابك أم لسانك من النجاسة؟
بل إن بعض السلف كان إذا أراد التنفير من هذه المعصية أمر المتورط فيها بالطهارة الحقيقية.. يأمره بالمضمضة وبالوضوء تشبيها لها بالنجاسة الحسية.. فيستلزم أن يتحرز منها كما يتحرز من النجاسات.
فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة الخبيثة يقولها".
الله تعالى ألهم هذه العبارة لأم المؤمنين تحتمل أكثر من احتمال، إذا كانت على حقيقتها فربما كانت تقصد الوضوء من أكل ما مسته النار قبل أن ينسخ.. كأنها تقول لهم أنتم تتوضئون قبل أن ينسخ الوضوء من أكل ما مسته النار.. أو الوضوء من أكل لحم الإبل.. فكأنها تقول لكم يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب الحلال سواء كان ما مسته النار قبل أم ينسخ أو من أكل لحم الإبل، ولا يتوضأ من الكلمة الخبيثة التي يقولها... فتقول أولى أنك تمضمض فمك بعد ما ابتليت بالغيبة هذا أولى من أن تمضمض من أكل لحم الإبل أو غيره.
ويشبه قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من طعام طيب".
و عن إبراهيم قال: "الوضوء من الحدث وأذى المسلم"، فكما تتوضأ من الحدث توضأ من أذى المسلم يعني يحمل هنا الوضوء على غسل الفم وتطهير اللسان.
وعن محمد بن سيرين قال: "كان رجل من الأنصار يمر بمجلس لهم فيقول توضئوا فإن بعض ما تقولون شر من الحدث"، يعني اغسلوا وطهروا ألسنتكم فإن بعض ما تقولون من الغيبة والنميمة وهذه الأشياء شر من الحدث ومن النجس.
وجاء حديث في هذا لكنه مرسل وإن كان رجاله ثقات أخرجه ابن سعد وهو ما رواه ماعز عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه قالت صفية بنت حيي: "و الله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمزها أزواجه – ضرائر فغمز بعضهن لبعض – فأبصرهن فقال: "مضمضن"، فقلن من أي شيء؟ قال: "من تغامزكن بها والله إنها لصادقة"، يعني إذا صح فهو فيه إشارة أيضا لموضوع المضمضة كما بينا.
من الأمور المهمة جدا أن مستمع الغيبة والمغتاب كلاهما شريك في الإثم، لا تظن أنك إذا تواجدت في مجلس تدور فيه الغيبة كما يدار بالفاكهة على رواد المجلس أنك تبرأ.. مثل هذا المنكر لابد أن إما أن تزيله أو تزول عنه.. أما أن تجلس حتى لو كنت ساكتا مجرد مستمع فأنت شريك في هذه الغيبة.
فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء الأسلمي – يعني ماعزا – إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فشهد على نفسه بالزنا أربع شهادات يقول: "أتيت امرأة حراما"، وفي كل ذلك يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إلى أن قال في الحديث..أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: "فما تريد بهذا القول؟" قال: "أريد أن تطهرني"، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجم فرجم، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: "انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رُجم رجم الكلب"... فلم يدع نفسه يعني جاهر بالمعصية وجاء واعترف للرسول عليه الصلاة والسلام وما اكتفى بالستر، أصر بأن يقام عليه الحد..قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم، ثم سار ساعة فمر بجيفة حمار شائل برجله..جثة الحمار لما تتعفن وتتجي‍َّف طبعا الرأس تجيف في داخل البطن والعضلات تشتد جدا (تيبس) فبالتالي الجثة تكون ملقاة في الأرض لكن الرجلين مرفوعتين، هذا معنى الشائل برجله يعني رافع رجليه من التعفن فهذا كناية عن شدة التعفن والنتن في هذه الجيفة. فقال: "أين فلان و فلان ؟".. هذان الرجلان اللذان تكلما بهذا الكلام.. قالوا: "نحن ذا يا رسول الله"، فقال لهما عليه الصلاة والسلام: "كلا من جيفة هذا الحمار"، فقال: "يا رسول الله غفر الله لك من يأكل من هذا؟؟"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفا أشد من أكل هذه الجيفة، فو الذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها"، فالشاهد من هذا الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: "ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفا أشد من أكل هذه الجيفة"...
أول شيء نسب الوزر إليهما جميعا مع أن الذي تكلم واحد كان يحدِّث الذي بجواره والذي بجواره سكت معناه أنه صار شريكا له في الإثم، مادمت سكت فالسكوت علامة الرضا... معناه أنك موافق.. لو قلت له اتق الله تكون قد برأت من المعصية لكن تسكت أو تستحي فأنت شريك في الوزر والعياذ بالله..تماما مثلك مثله لا فرق.. ولذلك قال لهما: "كلا من جيف هذا الحمار" وقال لهما: "ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفا أشد من أكل هذه الجيفة"، يعني أكل الجيفة أخف... لماذا؟ لأن الإنسان لو أكل من جيفة حمار منتن لم يؤذ مسلما.. لم ينتهك عرض مسلم..لا تتعلق بذمته حقوق العباد، فلا شك أن آكل لحوم الحمر المتجيفة و المنتنة خير من آكل لحوم البشر.. لأن أكل لحوم البشر يترتب عليه هذه الأشياء التي ذكرناها.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: "كانت العرب يخدم بعضهم بعضا في الأسفار.. عادة العرب أن يكون معهم خدم في الأسفار - وهذا الحديث رواه الضياء في الأحاديث المختارة بإسناد صحيح -.. وكان مع أبي بكر و عمر- رضي الله عنهما – رجل يخدمهما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاما فقال أحدهما لصاحبه.. وانتبهوا جيدا لكلمة فقال أحدهما، واحد فقط الذي تكلم.. فقال أحدهما لصاحبه: "إن هذا ليوائم نوم بيتكم"، هذا كل ما قاله، يعني وجدوا إن هذا الخادم تأخر في النوم أو أطال النوم حتى أنه لما استيقظا لم يكن قد أعد الإفطار أو الطعام.
فهم في حالة سفر والإنسان المفروض في السفر لا يتمادى في تعاطي راحة البدن، حالة السفر تحتاج نوع من الأهبة والاستعداد والإنسان لا يتصرف كأنه في بيته فمعناه أن نومه يكون خفيف عن هذا..
فقال: "إن هذا ليوائم نوم بيتكم"، ـ أي نومه كنوم شخص في البيت وليس مسافراً ًهذا الذي قالاه، أو قاله أحدهما ـ فأيقظاه فقالا ائت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقل له إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستئدمانك – هذه صيغة طلب يعني يطلبا الإدام والإدام كل ما أُكل به الخبز- فقال عليه الصلاة و السلام لما ذهب الرجل و أخبره ذلك: "قد ائتدما"- يعني افطرا أو أكلا الإدام - ففزعا فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: "يا رسول الله بعثنا إليك نستئدمك فقلت قد ائتدما فبأي شيء ائتدمنا؟" فقال: "بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه من أنيابكما"– وفي رواية ثناياكما – قالا: "فاستغفر لنا"، قال: "هو فليستغفر لكما"صاحب الحق.. فالإنسان إذا كان لابد أن يعصي الله سبحانه وتعالى يختار معصية سهل أن يتوب منها، لكن يختار معصية تتعلق بحق الغير معنى ذلك أنك لن تبرأ ذمتك إلا أن يسامحك هذا الشخص، و إذا لم يسامحك.. يا ويلك فسترد القيامة وفي عنقك حق العباد.. المعصية إذا كانت بينك وبين الله.. فإذا تبت إلى الله فالله يقبل التوبة من العباد، أما إذا كانت المعصية فيها حق من حقوق العباد فلا بد أن إما أن تستحله وإما أن يستوفي حقه منك.. وطبعا العملة هناك في الآخرة ليست الدينار ولا الدرهم فهي الحسنات والسيئات.. يأخذ من حسناتك حتى يقضي على حسناتك فإذا ما بقي عندك حسنات يُؤخذ من سيئاته هو فتطرح عليك.. فلماذا التعب ؟!
الإنسان يتعب في العبادة ويتعب في الحفظ والصيام والأعمال الصالحة ثم يجدها في ميزان الآخرين وقد أفلس هو.. ولذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم المفلس.
الشاهد أيضا من هذا الحديث قول النبي عليه الصلاة و السلام: "قد ائتدما"، والخطاب كله موجه للاثنين مع أن واحدا هو الذي تكلم فنسب الوزر إليهما جميعاً.
إذا القاعدة أن مستمع الغيبة والمغتاب كلاهما شريك في الإثم والوزر، واحد تكلم والآخر سكت.
يقول الشاعر :
وسمعك صن عن سماع القبيـح كصون لسانك عن النطق به
فإنـك عنـد سمـاع القبيـح شـريـك لقائـله فـانتبه
أما صور الغيبة وما تكون به الغيبة؛ فالغيبة لها صور شتى قد تكون بالقول وقد تكون بغير القول.. لا يشترط أن الغيبة تكون فقط باللسان ممكن غيبة بحركة العين، بإخراج اللسان، بالتمثيل أن يحاكي مشيته مثلا أو شيء من هذا.. فالغيبة كما تكون بالقول تكون بغيره.
قال الإمام الغزالي - رحمه الله تعالى –: "الذكر باللسان إنما حَرُم – يعني ذكر عيب أخيك باللسان – لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل به كالقول والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يُفهِم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام".
وقال النووي: "وكذا سائر ما يتوصل به إلى فهم المقصود كأن يمشي مشيته فهو غيبة"، بل هو أعظم من الغيبة كما قال الغزالي لأنه أبلغ في التصوير والتفهيم وأنكر للقلب.
من صور الغيبة مثلا يأتي ذكر واحد مثلا في مجلس من المجالس فيقول واحد من الجالسين الشخص الفلاني فيقول الحمد لله الذي لم يبتلينا بالدخول على السلطان.. الحمد لله الذي عافانا من فتنة الدنيا.. هذه غيبة.. حضرته يجمع بين أمرين بين ذم أخيه ومدح نفسه.. أنه رجل زاهد ومخلص، مثلا الحمد لله الذي عافانا من الرياء.. طبعا هذه غيبة..فلا تظن أنك إذا قلت الحمد لله هذا جواز مرور يعفيك من الغيبة، الحمد لله الذي عافانا من فتنة الدنيا، من كذا وكذا، منعبودية المال.. فهو يمدح نفسه ويذم أخاه.
كذلك بعض الناس يكون في مجلس ويكون الحاضرين في المجلس يعرفون أن الذي يتكلم عليه هو فلان ابن فلان بعينه فيقول قال بعض الفقهاء أو قال بعض من رأينا أو فعل بعض من نعرفهم من أصحابنا أو قال بعض الجيران.. فالإنسان إذا فهم من الذي تقصده هذه غيبة لأنهم يعرفون وبالتالي تكون ذكرت أخاك بما يكره من خلفه لأن المخاطب يفهمه بعينه ولحصول التفهيم بهذه الصيغة.
وربما سُئل شخص عن حال أخيه فيقول مثلا ربنا يهدينا.. هو الشيطان يسول له أن لا شيء بأن يقول ربنا يهدينا.. هو لا يقصد ربنا يهدينا هو يقصد وصفه بالضلال مثلا.. أو يقول ربنا يصلحنا ويصلح أحوالنا.. الله يصلحه.. نسأل الله العافية.. نعوذ بالله من الشر.. أي عبارة يفهم منها تنقص أخيك المسلم فهي غيبة.
فالحقيقة المفروض أن نتكلم بالتفصيل على بعض الاستثناءات التي ذكرها العلماء..هنا نضيء إشارة الخطر إشارة حمراء للإنذار الشديد إن بعض الأخوة أحيانا يلقون ببعض المعلومات إلى من لا يحسن فهمها ولا تطبيقها ألم تر كيف الرسول عليه الصلاة و السلام لما سُئل: "أفلا أخبر بها الناس؟"، في تبشير من قال لا إله إلا الله.. قال: "إذا يتَّكِلوا"، قال: "فلا إذا".. "إذا يتكلوا"، يعني سيسيئون فهم هذا الكلام.. فقال: "فلا إذا" يعني إذا اتكلوا على هذا الكلم ويقصروا في العمل لا تخبرهم.. لأنهم لن يضعوا الكلام في موضعه المناسب.
ومن ثم قال ابن مسعود أظن: "ما أنت بمخاطب قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".. فيوجد بعض الأشياء المفروض الإنسان إذا شك أن الناس لن تضعها موضعها فيكتم مثل هذا العلم لأنه سيساء فهمه وتطبيقه ويكون بابا إلى الشر.
مثلا الإنسان إذا علم إنسانا آخر مستواه العلمي والإيماني أنه إذا عرف أن السنة أن تؤدي السنن الرواتب في البيت وهو حاله أنه إذا ذهب إلى البيت لن يصليها.. فهذا يصليها في المسجد بدلا من أن يهجرها تماما.. إذاً كنت تعرف من حاله أنه لن يصليها في البيت فلا تعلمه هذه المسألة، فلابد الإنسان يكون لديه بصر وتلمح بالعواقب.
أكثر الآفات التي دخلت لمجتمعنا في موضوع الغيبة ناشئة من أننا نقرن كلام الغيبة بالكلام على الرخص التي يباح فيها الغيبة.. فبالتالي نجد في المجتمع نوع من التسيب وعدم الانضباط إلى أقصى غاية ممكنة.. و هم يحفظون المبررات والمسوغات كما يحفظون الفاتحة وقل هو الله أحد.
تقول له يا أخي اتق الله هذه غيبة يقول لك لا العلماء قالوا يجوز للجرح والتعديل ويجوز لكذا ويجوز لكذا..
نقول إذا كان مستواك العلمي والإيماني ومستوى الورع عندك يؤهلك لأن تضبط نفسك ضبطا متينا محكما.. فلك أن تفعل وتأخذ بما يباح فيها الغيبة..لكن الذي يحدث أنه يكون سيف في يد أناس لا يحسنون استعمالها فيذبحون به الناس وينتهكون أعراضهم، هذا الواقع وعلينا أن نعترف بالواقع.
فأحسن شيء، انسَ تماما موضوع الاستثناءات الخاصة بالغيبة.. هذا أسلم شيء، إلا من النادر جداً، إلا من وثق بنفسه ثقة كما سنحكي عن الإمام البخاري- وهذا نادر جدا -.. لأن في مجتمعنا لن تكون هناك سلامة من هذه الفتنة أن يكف الإنسان لسانه عن الشر وعن الخوض في إخوانه المسلمين.. لأن باب الاستثناءات هذا هو الذي فتح لنا هذه الأبواب العظمى من الشر تهلكنا وتهلك أخواننا.
حتى الإمام النووي رحمه الله تعالى لما نقل عن الغزالي المواضع الستة المعروفة في جواز الغيبة، وبعض العلماء ما أقرهم على ذلك؛ الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى ألف كتابا استدرك فيه على النووي واستدرك فيه على الإمام الغزالي رحمهم الله تعالى أجمعين و بيّن أن الكلام ليس على إطلاقه بهذه الصورة وذلك في كتابه المعروف: ((رفع الريبة عما يجوز وما لا يجوز من الغيبة)).
لا نريد أن نفصل الآن ولكن أنصحكم نصيحة في الله أنسوا تماما الاستثناءات وأسسوا الأول الأساس وعندما تصلون لورع مثل ورع البخاري رحمه الله تعالى وورع السلف الصالح رحمهم الله تعالى فحينئذ لك أن تعمل بهذه الاستثناءات.
إن كنت حالتك من نفس حالة السلف الذي نتكلم عنه فلك أن تأخذ بهذه الرخصة وتتكلم بها، لكن الأمر أعتقد يحتاج إلى الكثير من الضغط فالنصيحة التي نشدد فيها انسوا أن هناك استثناءات للغيبة وتعاملوا على الأصل وهو أن كلها حرام، واضح، لأننا في زمن لو فتح هذا الباب، الناس تتوسع فيه توسعاً شديداً جداً.
الإمام ابن دقيق العلوي رحمه الله تعالى قال كلمة عجيبة جدا، يقول: "منذ أربعين سنة ما تكلمت بكلمة إلا أعددت لها جوابا بين يدي الله عز وجل"، منذ أربعين سنة، أربعين سنة، لم يتكلم بكلمة واحدة إلا وهو واثق وحضر وأعد الجواب حينما يسأله الله عن هذا يوم القيامة، عن هذه الكلمة، عنده الجواب حاضر لله عز وجل، هل أنت في هذا المستوى؟ لكي تقول أن صاحب دعوة، صاحب الدعوة الذي ، كل من وقع في معصية حتى يخرج من يسمى صاحب دعوة، أي دعوة هذه التي تنحرف بك عن مثل هذه الثوابت في المنهج الكامل، أي دعوة هذه؟ هل هي دعوة الله سبحانه وتعالى؟ هل هذه أخلاق الصحابة؟ هل هذا ما علمنا إياه الرسول عليه السلام؟
قال بكر بن منير سمعت أبا عبد الله البخاري رحمه الله تعالى يقول: "إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا".. الإمام البخاري الذي حياته كلها في علوم الرجال وعلوم الحديث يقول هذه الكلمة معناه أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يصطفي لمنصب الإمامة في الدين أي إنسان. معناه قمة القمم الذين اصطفاهم الله كالإمام البخاري الإمام الجليل العظيم رحمه الله تعالى انظر المؤهلات وانظر للمقومات لهذه الإمامة، يقول: "إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا"، كل كلامه في علم الرجال وفي علم الأشياء ومع ذلك في منتهى الدقة وواثق من نفسه أنه لم يقع في كبيرة على الإطلاق.
علق عليه الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى قائلا: "صدق رحمه الله، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه فإنه أكثر ما يقول منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر.. ونحو هذا، وقل أن يقول فلان كذاب أو كان يضع الحديث حتى إنه قال إذا قلت فلانا في حديثه نظر فهو متهم.. وهذا معنى قوله لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا، وهذا هو والله غاية الورع".
قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعت – يعني الإمام البخاري- يقول: "لا يكون لي خصم في الآخرة" فقلت "إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب التاريخ و يقولون فيه اغتياب الناس"، فقال: "إنما روينا ذلك رواية لم نقله من عند أنفسنا، قال النبي صلى الله عليه و سلم: "بئس مولى العشيرة.."، يعني حديث عائشة، وسمعته يقول: "ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها".
يعني كانوا إذا اختاروا الصراط المستقيم يكون مستقيم دائما.. لا يوجد زوغان الثعالب.. فالخط المستقيم أقصر الطرق، لا يوجد زوغان أو تحايل أو تلاعب بحدود الله عز وجل.
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: "ما تكلمت بكلمة ولا فعلت فعلا إلا أعددت له جوابا بين يدي الله عز وجل".
لا شك أن الإنسان إذا انزجر عن الكلام في عيوب الناس، نحن لا نقول أن الناس ليس فيها عيوب، فيها عيوب، ولكن انشغل بعيوب نفسك، وفعلاً هذه النصيحة، عن شاء الله تكون صادقة لكم، ولنفسي طبعاً قبلكم، أن الإنسان الكامل إذا انشغل عن عيوب نفسه، سيكون بالطبيعة مشغولاً عن عيوب الناس، إذا ركز في عيوب نفسه، وبدأ ينتقد نفسه ويصلح نفسه ويجاهد نفسه، فلا ينشغل بعيوب الناس إلا من قد لهى عن عيوب نفسه.
يقول النبي صلى الله عليه و سلم: "يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينيه" وفي بعض الروايات وينسى الجذر – أصل الشجرة-.
القذى هو ما يقع في العين أو في الماء من تراب أو تبن أو أي شيء من القاذورات.
الجذع المقصود به أحد جذوع النخل، لأنه من حبه لنفسه، يدقق النظر في عيب أخيه، فيدركه مع خفائه، فيعمى عن عيب نفسه، عيب في نفسه ظاهر لا خفاء فيه.
يقول الشاعر :
عجبت لمن يبكي علــى موت غيره دموعا ولا يبكي على موته دمــا
وأعجب من ذا أن يـرى عيب غيره عظيـما وفي عيـنيه عن عيبه عمى
لقي زاهد زاهدا فقال له: "يا أخي إني لأحبك في الله" قال الآخر: "لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله"، فقال له الأول: "لو علمت منك ما تعلم من نفسك لكان لي فيما أعلم من نفسي شغل عن بغضك".
انظر كيف السلف كانوا يصدقون قول الرسول عليه الصلاة و السلام: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، كثير من الكلام لا يعنينا ولا يخصنا في شيء.
لما توفي منصور بن زادان رحمه الله تعالى وكان من العابدين المجتهدين حتى قالوا لو أن منصور هذا قيل له إن ملك الموت على الباب أو أنك ستموت غدا لما استطاع أن يزيد في عمله لأنه قد أتى بأقصى ما يستطيع في كل الأحوال، لما توفي قالت ابنة واحد من جيرانه من علماءنا: "يا أبت الخشبة التي كانت على سطح البيت الذي بجوارنا ما نراها"، تعودت أنها ترى في الليل دائماً خشبة موجودة على سطح البيت، فقال لها: "يا ابنتي إن هذا منصور كان يقوم الليل وقد مات".. طوال الليل قائم يصلي ويقرأ القرآن فالناظر إليه يظنه خشبة، فالبنت أخذت تتساءل أين ذهبت هذه الخشبة؟ الشاهد هم جيران وانظر كيف ربى نفس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.hablizawy.com
 
حفظ اللسان ،،،
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مـنتدى حبلـيزاوي :: القسم العام :: المكتبة العامة-
انتقل الى: